من يعتقد أن التطبيع بين لبنان والكيان المحتل غير واقع فهو واهم، فنحن منذ عام ونيّف قد تطبعنا على القتل والتدمير اليومي.
سابقا، كنا نطالب المسؤولين بأن يُصدروا بيانات إدانة نكتفي بذلك لأنه أعظم ما يمكن أن نرجوه منهم، فأما الآن فبتنا حتى هذا لا نطلبه منهم، فلقد تطبعنا على القتل، حتى إذا مَرَّ يوم لم يرتق من أهلنا سعداء، أو لم تُدمر منازل وأرزاق أدهشنا ذلك.
يبدو لي أن ما يحدث يأتي في سياق تطبيع شامل متفق عليه ولو ( موضوعيًا)، والتسليم به يعني استمراره، والسكوت عنه تواطؤ موصوف.
...
الحروب لا تقتصر على الحرب العسكرية، لا سيما في عصرنا هذا، فهناك حرب أخرى ضارية، وشرسة، وأشد فتكا وأعظم خطرًا وأثرًا، إنها الحرب النفسية التي تهدف إلى إنهاك الناس بالخوف، واليأس. يحدث ذلك عندما تتواصل التهديدات بشكل يومي، فيكثر مسؤولو العدو من تصريحاتهم، ويتكفل الإعلام بالباقي، هذه التهديدات قد لا يكون الهدف أن تتحقق بالفعل، فقد يكفي أن تستمر هذه الحال سنة فيحقق العدو ما يريد دون أن يطلق رصاصة واحدة، إذ إن الخوف يكبل الطرف الآخر وجمهوره، ويعطل دورة الحياة الطبيعية، مما يخلق اليأس في النفوس واليأس يدفع إلى خيارات قاتلة.
المؤمن لا يستسلم للخوف، ولا ييأس، وكيف يخاف وهو على يقين من أمره، يقوم بما يقدر عليه ويترك الباقي الله يشاء فيه ما يشاء، والله لا يشاء إلا الخير يقول الله تعالى: أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (الزمر:
.(36
...
أسوأ ما في المعاصي والذنوب ليس تبعاتها القانونية في الدنيا والآخرة، فهذه التبعات يمكن تلافيها بالتوبة فالأسوأ آثارها الخَفِيَّة، من قسوة القلب، وانعدام الرحمة، والاحتجاب عن الحق، وذهاب الطمأنينة والكرامة، وإنها لتدمّر الإنسان من داخله، وتغير في بنيته النفسية، وتُربك فطرته، وتقضي على حسه الأخلاقي، ومن بلغ هذا الأمر فقد القدرة على التوبة.
وعلى هذا يمكن أن يُتوقع منه أي شيء، وتكون عاقبته مأساوية.
...
تفكيرنا السلبي، وأوهامنا الناتجة عن جهلنا بالغيب هما المسؤولان عن قلقنا وتوترنا الدائمين.
إننا نخاف مِمّا يمكن أن يحمله المستقبل إلينا.
في وهمنا نخلق أزمات ومصاعب وسيناريوهات الحروب مدمرة، نعجز عم الثبات أمامها والتعامل معها.
فنفقد المناعة والقدرة الضروريتين لمواجهة أية مشكلة قبل أن تحدث، وقد لا تحدث أبدًا.
وننسى أن كثيرًا من الأمور إيجابية كانت أم سلبية فاجأتنا من دون أن نتوقعها، وتعاملنا معها بمهارة وخرجنا منها بأقل الخسائر أو بالكثير من الإيجابيات
ولو أننا توقعنا السلبي منها لأنهكنا الخوف.
إن ذلك يعني أن نتجنب التفكير السلبي..
نحن عاقلون إن لم نكن أعقل من عليها ديننا "عقيدة وشريعة وقِيمًا منسجم كلّيًا مع مسلمات العقل ومنهجنا عقلاني، ومنطقنا عقلاني، وعيشنا عقلاني ومواقفنا وخياراتنا نزينها بموازين عقلية.
وإن من العقلانية أن نقف في وجه الطغاة والظالمين ومن العقلانية أن نتمسك بالحق الذي نحن عليه، ومن العقلانية ألا نخضع للترهيب والترغيب.
إننا قوم ننتمي إلى ذلك الرجل الذي كان وحيدا بداية أمره، أصحابه وهم قِلَّة - يُعذِّبون، أما هو فتكال له الاتهامات بالجنون والسحر والتقول على الله تعالى هُدَّد بالقتل، وبوشر فيه، وحاولوا إغراءه بالمال والسلطان، فكان جوابه الذي خطه لنا منهجاً نمضي عليه في صراعنا مع كل طواغيت الأرض: "والله لو وضعوا الشَّمس في يميني والقَمَرَ في شمالي على أن أتْرُك هذا الأمر حتَّى يُظهره اللهُ أَوْ أَهْلِكَ فيهِ ما تركته".